بهاء الدين الجندي اليمني
444
السلوك في طبقات العلماء والملوك
القدر فأدع اللّه أن يفتح علينا في الدنيا ، فقال له أف لك يا بني ، رأيتها نيفا وعشرين مرة ما سألت اللّه شيئا من أمور الآخرة فكيف أسأله أمور الدنيا ؟ لقد كنت أعدّك رجلا ، وكانت وفاته بذي أشرق على الطريق المرضي ، ولما دنت وفاة القاضي عبد الرحمن مقدم الذكر أوصى أن يدفن إلى جنبه لما يعتقده فيه من الصلاح . ومنهم أبو الربيع سليمان الملقّب بالجنيد محمد بن أسعد بن همدان بن يعفر بن أبي النهى ، مولده سنة اثنتين وستمائة وذلك بقرية العدن « 1 » من بلد صهبان ، وكان والده فقيها فاضلا تفقّه بمحمد بن علي الحافظ العرشاني ، وأصل بلدهم ريمة المناخي وسكن القرية المذكورة وعنه أخذ ابنه وتوفي بهذه القرية سنة خمس وعشرين وستمائة ، وأما ابنه هذا فكان سيدا نبيلا وامتحن بقضاء مدينتي اليمن عدن وزبيد ثم عوفي من الجميع وذكر بعضهم أنه إنما امتحن بذلك لأنه عاب بعض حكام زمانه في شيء مما هو به فقيل له سنذيقك ما ذاق ، فلما امتحن بقضاء عدن استغفر اللّه تعالى وتاب ثم عزل نفسه وعاد بلده فقيل له عاد لك قضاء زبيد فامتحن به ثم عزل نفسه وعاد بلده ثم انتقل إلى ذي أشرق ، وكان الزاهد العابد مقصودا للزيارة مشهورا باستجابة الدعوة حتى أن الفقيه عمر بن سعيد العقيبي الآتي ذكره كان كثيرا ما يزوره ويأمر أصحابه بزيارته ، فذكروا أنه زاره مع جماعة من أصحابه ، فلما وصلوه لم يزدهم على القيام وهو على مصلاه والمصافحة لهم وأقعدهم وقعدوا وتحدثوا ساعة ثم سأله الفقيه الدعاء فمدّ يده ودعا ثم وادعهم وفارقوه ، وكانوا وقت وصلوا إليه معهم فاقة ، فحين خرجوا قالوا نجد في نجد المحرس أو نجد العكايف « 2 » الطعام يباع فنشتري منه ، فلما صاروا إلى الموضعين لم يجدوا بهما شيئا من الطعام وأمضّهم الجوع والتعب فعتب غالبهم على الفقيه الجنيد كونه لم يطعمهم حتى أراد بعضهم أن يقول لو كان الجنيد يطعم الطعام لكان أفضل له من العبادة ، فزجره الفقيه عمر عن الكلام وقال مهلا الموضوع محفوظ ، ثم لم يصل الفقيه ذا عقيب إلا وأصحابه قد كادوا يهلكون جوعا فأدخلهم بيته وأتاهم بطعام فأكلوه ثم بعد أيام عزم على إعادة الزيارة فأمر أصحابه الذين خرجوا معه أولا أن يخرجوا معه ثانيا فأجابوه وساروا معه على كره إذ لا يستطيعون خلاف الفقيه بعد أن احتملوا طعاما معهم وساروا ، فلما دنوا من ذي
--> ( 1 ) قرية العدن كثيرة في مخلاف نعيمة صهبان ، فلا ندري أيّها يقصد . ( 2 ) نجد المحرس : بفتح الميم وسكون الحاء المهملة ثم راء وسين مهملتين هو الذي أسماه الهمداني في صفة جزيرة العرب نقيل نخلان ، لأن منه ننزل إلى وادي نخلان ويواجه قرية المشراح السياني ، ونجد العكايف فيما بين عرشان وبردان معروف ونجد المحرس يطلق عليه إلى اليوم .